سهيلة عبد الباعث الترجمان

687

نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي

إلى غير هذا . . . وقد جعل الجيلي وجود الحق أصلا ووجود الخلق فرعا ، والأمر من حيث الوجود كذلك ، وأما من جهة العدم فالأصالة للخلق لا للحق ، والذات الغنية عن العالمين لا تمييز بالنسبة إليها لعدم وجود أو لوجود على عدم قال اللّه تعالى يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ « 1 » ، وعلى ذلك فهو تعالى يعلم نفسه من حيث أن نفسه أم الكتاب الجامع للعلوم والوجود ، فالوجود عين العدم ، ومن عدم هو عين الوجود " « 2 » ولما كان الحق يتميز عن الخلق بقدرته على إيجاد الخلق من العدم ، فإن الجيلي يعرض لهذه القدرة الكامنة فيه من حيث هي صفة نفسية لا صفة فعلية ، لأن صفاته النفسية عين ذاته ، بها ظهرت مراتبه فكان بذلك ظهور مرتبة الربوبية ، فيقول منبها على أهميته " فافهم ذلك فإنه سرّ جليل لا يصلح كشفه إلا للذاتيين من أهل اللّه تعالى " « 3 » . ويختلف الجيلي في مفهومه لفكرة الخلق من العدم عن أبن عربي الذي يرى أن اللّه أوجد العالم من وجود لا ندركه إلى وجود ندركه « 4 » ، وأن هذا القول لا سند عقلي يؤيده لما فيه من تعطيل القدرة الإلهية على الخلق إذ يقول : " وهذا الكلام وإن كان له من العقل وجه يستند إليه على ضعف ، فأنا أنزه ربي أن أعجز قدرته عن اختراع المعدوم وإبرازه من العدم المحض إلى الوجود المحض " « 5 » فيكون الأمر كما يراه الجيلي بأن القول بالخلق من العدم واجب بحق اللّه ، لأنه على كل شيء قدير ، فله القدرة على الاختراع والتكوين ، وربما كان هنا متأثرا بفكرة الحلاج عن الخلق من العدم ، إذ يرى أن اللّه خلق من العدم صورة لنفسه ، وجمّلها بأسمائه وصفاته ، وهذه الصورة الإلهية هي آدم ، به وفيه تجلّى اللّه « 6 » . على حين نرى أن ابن سبعين ( ت 669 ه )

--> ( 1 ) سورة الرعد ، الآية : 39 م . ( 2 ) البيطار ( بهاء الدين ) ، تكملة النفحات الأقدسية ، ط دمشق ، 1350 ه / 1931 م ، ص . ص 453 - 454 . ( 3 ) الجيلي ، الإنسان الكامل ، الجزء الأول ، ( بولاق ) ، ص 57 . ( 4 ) البيطار ( بهاء الدين ) ، المصدر السابق ، 1350 ه / 1931 م ، ص 18 . ( 5 ) الجيلي ، الإنسان الكامل ، الجزء الأول ، ص 57 . ( 6 ) Nicholson , studies in islamic mysticism , p . 31 . ترجمة نور الدين شريبة ، مخطوط لم ينشر . ( انظر في التصوف الإسلامي وتاريخه ، ترجمة أبو العلا عفيفي ، ص 85 ) .